محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
69
أخبار القضاة
اليمن فأزبى قبائل النّاس زبية الأسد ، فأصبحوا ينظرون إليه ، وقد وقع فيها ، فتدافعوا حول الزّبية ، فخرّ فيها رجل ، فتعلّق بالذي يليه ، وتعلّق آخر بآخر ، حتى خرّ فيها أربعة فجرحهم الأسد ، فتناوله رجل برمح فطعنه ، وأخرج القوم منها ، فمنهم من مات فيها ، ومنهم من جرح وهو حيّ ؛ فماتوا كلّهم ؛ فقالت قبائل الثلاثة لقبيلة الأوّل : هاتوا دية الثّلاثة ، فإنه لولا صاحبكم لم يسقطوا في البئر ؛ فقالوا : إنما تعلق صاحبنا بواحد ، فنحن نؤدي دية واحد ، فاختلفوا حتى أرادوا القتال بينهم ، فسرح رجل منهم إليّ وهم غير بعيد مني ، فأتيتهم ؛ فقلت : تريدون أن تقتلوا أنفسكم ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حيّ ، وأنا إلى جنبكم ؛ إني قاض بينكم بقضاء ، فإن رضيتموه فهو نافذ بينكم ، وإن لم ترضوه ، فهو حاجز بينكم ، فمن جاوزه فلا حقّ له حتى يأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فهو أعلم بالقضاء منّي ، فرضوا بذلك ، فأمر بهم أن يجمعوا دية تامّة من الذين شهدوا البئر ، ونصف دية ، وثلث دية ، وربع دية ؛ فقضيت أن يعطى الأسفل ربع الدّية من أجل أنه هلك فوقه ثلاثة ، ويعطى الذي يليه الثلث ، من أجل أنه هلك فوقه اثنان ، ويعطى الذي يليه النّصف من أجل أنه هلك فوقه واحد ، ويعطى الأعلى ؛ الذي لم يهلك فوقه أحد الدّية ، فمنهم من رضي ، ومنهم من كره ؛ فقلت : تمسكوا بقضائي حتى تأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيقضي بينكم . فوافقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالموسم ؛ فلما قضى الصلاة جلس عند مقام إبراهيم ، فساروا إليه ، فحدثوه بحديثهم ، فاحتبي ببرد عليه ، وقال : إني أقضي بينكم إن شاء اللّه ؛ فقال رجل من أقصى القوم : إنّ علي بن أبي طالب قد قضى بيننا بقضاء باليمن ؛ فقال : وما هو ؟ فقصّوا عليه القصّة ، فأجاز رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم القضاء كما قضيت بينهم . أخبرني جعفر بن محمّد بن مروان - في كتابه - أن أباه حدّثه ؛ قال : حدّثنا مخلد بن شدّاد ، عن يحيى بن عبد الرّحمن ، عن حبيب بن زيد الأنصاري ، عن سماك ، عن حنش بن المعتمر عن عليّ بمثله « 1 » .
--> - لم يتولد من فعله وإنما تولد من التزاحم فلم يهدر ، والثاني كان هلاكه من ثلاثة أشياء جذب من قبله له ، وجذبه هو الثالث والرابع ؛ فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية ، واعتبر ما لا صنع له فيه ؛ وهو الثلث الباقي ؛ وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين جذب من قبله له ، وجذبه هو للرابع ؛ فسقط فعله دون السبب الآخر ، فكان لورثته النصف ؛ وأما الرابع فليس منه فعل البتة ، وإنما هو مجذوف محض ؛ فكان لورثته كمال الدية ، وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم . وإنما وجبت على عاقلة من حضر البئر ولم يباشر ، ولم تجب على عاقلة الجاذب وقد باشر ؛ لأن الجاذب لم يباشر الإهلاك وإنما تسبب إليه ، والحاضرون تسببوا بالتزاحم ؛ فكان تسببهم أقوى من تسبب الجاذب لأنه الجئ إلى الجذب ا ه . ( 1 ) ذكر صاحب الكتاب طرفا من قضايا عليّ ؛ ولعليّ قضايا مشهورة لم نشأ الإطالة بذكرها لئلا نخرج عن النهج الذي أردنا السير عليه في التعليق على هذا الكتاب . وقد ذكر في كتاب ( كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ) كثير من قضايا عليّ كرم اللّه وجهه منقولة عن مصادرها الصحيحة من كتب السنة في باب الأقضية ، فليرجع إليها من يريد التوسع في دراسة قضايا السلف الصالح رضوان اللّه عليهم ، وكذلك ذكر العلامة ابن القيم كثيرا من هذه القضايا ملقيا عليها فبسا من نور تحقيقاته يوضح كثيرا مما غمض على بعض الفقهاء من دقائق هذه الأقضية . كذلك ذكر صاحب كتاب ( الرياض النضرة في مناقب العشرة ) طرفا لا بأس به من هذه القضايا . وأوفى الروايات ما ذكرها صاحب كنز العمال .